علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

87

الصداقة والصديق

[ الصديق والحقنة ] ولما احتاج زياد إلى الحقنة وصفت له فتفحّشها « 1 » فقيل له : إنما يتولاها الطبيب ، قال : إن كان لا بدّ منها فالصديق . [ شواهد قلبية ] قيل للجنيد « 2 » : ابن عطاء يدّعي صداقتك فهل هو كما يقول ؟ قال : هو فوق ما يقول ، وأجد ذلك له من قلبي بشواهد لا تكذبني عنه ، ولا تكذبه عني . [ اتخاذ الأصدقاء ] قيل لأبي علي النصير : لم لا تتخذ الأصدقاء ؟ قال : حتى أفرغ من الأعداء ، فو اللّه لقد شغلوني بأنفسهم عن كلّ صديق يعينني عليهم ، وإحالة العدو عن العداوة أولى من استدعاء الصداقة من الصديق . [ اليأس من وجدان الصديق ] قيل لرويم « 3 » : ما الذي أقعدك عن طلب الصديق ؟ قال : يأسي من وجدانه . [ نصف الصديق ] قيل لأعرابي : ألك صديق ؟ قال : أمّا صديق فلا ، ولكن نصف صديق ، قيل : فكيف انتفاعك به ؟ قال : انتفاع العريان بالثوب البالي . [ بين التعريض والتصريح ] قيل لصوفي : صف لنا الصديق ؟ قال : هو الذي إذا عرّض لك

--> ( 1 ) ج ق - فأنكرها . ( 2 ) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز من علماء الدين والتصوف ولد في بغداد ، قال عنه أحد معاصريه : « ما رأت عيناي مثله ، الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه ، والشعراء لفصاحته ، والمتكلمون لمعانيه ، وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد » . وقال ابن الأثير في وصفه : « إمام الدنيا في زمانه » . وعدّه العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسّنّة ، ولكونه مصونا من العقائد الذميمة ، محميّ الأساس من شبه الغلاة ، سالما من كل ما يوجب اعتراض الشرع ، وتوفي الجنيد سنة 297 ه . ( 3 ) ورد ذكره في الإمتاع والمؤانسة 3 / 97 .